فصل: تفسير الآية رقم (1)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة المجادلة

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏}‏ نزلت في سبب خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصَّامت، ظاهر منها وكان ذلك أوَّل ظهارٍ في الإِسلام، وكان الظِّهار من طلاق الجاهليَّة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أنَّ زوجها ظاهر منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حَرُمْتِ عليه، فقالت‏:‏ أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وصبيةً صغاراً، وجعلت تُراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قال لها‏:‏ حَرُمْتِ عليه هتفت وشكت إلى الله، وقوله‏:‏ ‏{‏والله يسمع تحاوركما‏}‏ أَيْ‏:‏ تخاطبكما ومراجعتكما الكلام،

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 7‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏3‏)‏ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏4‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏6‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

ثمَّ ذمَّ الظَّهار فقال‏:‏ ‏{‏الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنَّ أمهاتهم‏}‏ أَيْ‏:‏ ما اللواتي يجعلن من الزَّوجات كالأمهات بأمهاتٍ‏.‏ ‏{‏إن أمهاتهم إلاَّ اللائي ولدنهم‏}‏ ما أُمهاتهم إلاَّ الوالدات ‏{‏وإنهم ليقولون‏}‏ بلفظ الظِّهار ‏{‏منكراً من القول‏}‏ لا تُعرف صحَّته ‏{‏وزوراً‏}‏ وكذباً؛ فإنَّ المرأة لا تكون كالأمِّ ‏{‏وإنَّ الله لعفو غفور‏}‏ عفا وغفر للمُظاهِر بجعل الكفَّارة عليه، ثمَّ ذكر حكم الظِّهار، فقال‏:‏

‏{‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا‏}‏ في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديرها‏:‏ والذين يُظاهرون من نسائهم فتحرير رقبةٍ لما قالوا، ثمَّ يعودون، أيْ‏:‏ على المُظاهر عتق رقبةٍ لقوله لامرأته‏:‏ أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، ثمَّ يعود إلى استباحة الوطء، ولا تحلُّ له قبل الكفَّارة، وهو قوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن يتماسا‏}‏ أي‏:‏ يَجَّامعا ‏{‏ذلكم توعظون به‏}‏ أي‏:‏ ذلك التَّغليظ في الكفَّارة وعظٌ لكم كي تنزجروا به عن الظِّهار فلا تُظاهروا‏.‏

‏{‏فمن لم يجد‏}‏ الرَّقبة لفقره ‏{‏فصيام شهرين متتابعين‏}‏ لو أفطر فيما بين ذلك بطل التَّتابع، ويجب عليه الاستئناف ‏{‏فمن لم يستطع‏}‏ ذلك لمرضٍ أو لخوفِ مشقَّةٍ عظيمةٍ ‏{‏فإطعام ستين مسكيناً‏}‏ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من غالب القوت‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي‏:‏ الفرض الذي وصفنا ‏{‏لتؤمنوا بالله ورسوله‏}‏ لتصدقوا ما أتى به الرَّسول عليه السَّلام، وتُصدِّقوا أنَّ الله تعالى به أمر ‏{‏وتلك حدود الله‏}‏ يعني‏:‏ ما وصف في الظِّهار والكفَّارة ‏{‏وللكافرين‏}‏ لمن لم يُصدِّق به ‏{‏عذاب أليم‏}‏‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يحادون الله‏}‏ يُخالفون الله ‏{‏ورسوله كُبِتوا‏}‏ أُذِلُّوا وأُخزوا ‏{‏كما كُبِتَ الذين من قبلهم‏}‏ ممَّن خالف الله ورسوله ‏{‏وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين‏}‏ بها ‏{‏عذاب مهين‏}‏‏.‏

‏{‏يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا‏}‏ يخبرهم بذلك ليعلموا وجوب الحجَّة عليهم ‏{‏أحصاه الله‏}‏ علمه الله وأحاط بعدده ‏{‏ونسوه‏}‏ هم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ما يكون من نجوى ثلاثة‏}‏ أَيْ‏:‏ مناجاة ثلاثةٍ، وإن شئت قلتَ‏:‏ من متناجين ثلاثة ‏{‏إلاَّ هو رابعهم‏}‏ بالعلم، يسمع نجواهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏9‏)‏ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى‏}‏ نزلت في المنافقين واليهود، كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ليُواقعوا في قلوبهم ريبةً وتهمةً، ويظنُّون أنَّ ذلك لشيءٍ بلغهم ممَّا يهمُّهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك، فعادوا لما نُهوا عنه، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما‏}‏ أَي‏:‏ إلى ‏{‏ما نُهوا عنه ويتناجون بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول‏}‏ أي‏:‏ يُوصي بعضهم بعضاً سرَّاً بالظُّلم والإِثم، وترك طاعة الرَّسول عليه السَّلام‏.‏ ‏{‏وإذا جاؤوك حيوك بما لم يُحَيِّكَ به الله‏}‏ يعني‏:‏ قولهم‏:‏ السَّام عليك ‏{‏ويقولون في أنفسهم‏:‏ لولا يعذِّبنا الله بما نقول‏}‏ وذلك أنَّهم قالوا‏:‏ لو كان نبيَّاً لعذَّبنا بهذا، قال الله‏:‏ ‏{‏حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير‏}‏‏.‏ ثمَّ نهى المؤمنين عن مثل ذلك، فقال‏:‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ومعصيت الرسول‏}‏ ‏{‏إنما النجوى من الشيطان‏}‏ أَيْ‏:‏ النَّجوى بالإِثم والعدوان ممَّا يزيِّن الشَّيطان لهم ‏{‏ليحزن الذين آمنوا وليس بضارِّهم‏}‏ وليس الشَّيطان بضارِّهم ‏{‏شيئاً إلاَّ بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏}‏ أَيْ‏:‏ وإِليه فَلْيَكِلُوا أمورهم‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس‏}‏ توسَّعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فافسحوا‏}‏ أوسعوا المجلس ‏{‏يفسح الله لكم‏}‏ يُوسِّعه عليكم‏.‏ نزلت في قومٍ كانوا يُبكِّرون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذون مجالسهم بالقرب منه، فإذا دخل غيره ضنُّوا بمجالسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يُكرم أهل بدرٍ، فدخلوا يوماً فقاموا بين يديه ولم يجدوا عنده مجلساً، ولم يقم لهم أحدٌ من هؤلاء الذين أخذوا مجالسهم، فكره النبيُّ عليه السَّلام ذلك، فنزلت هذه الآية، وأمرهم أن يُوسِّعوا في المجلس لمن أراد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وإذا قيل انشزوا فانشزوا‏}‏ وإذا قيل لكم‏:‏ قوموا إلى صلاةٍ أو جهادٍ، أو عمل خيرٍ فانهضوا ‏{‏يرفع الله الذين آمنوا منكم‏}‏ بطاعة الرَّسول ‏{‏والذين أوتوا العلم درجات‏}‏ في الجنَّة‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم‏}‏ أمام مناجاتكم ‏{‏صدقة‏}‏‏.‏ نزلت حين غلب أهلُ الجدة الفقراءَ على مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناجاته، فكره الرَّسول ذلك فأمرهم الله بالصَّدقة عند المناجاة، ووضع ذلك عن الفقراء فقال‏:‏ ‏{‏فإن لم تجدوا فإنَّ الله غفور رحيم‏}‏ ثمَّ نسخ الله ذلك، فقال‏:‏

‏{‏أأشفقتم‏}‏ بخلتم وخفتم بالصَّدقة الفقر ‏{‏فإذْ لم تفعلوا وتاب الله عليكم‏}‏ عاد عليكم بالتَّخفيف ‏{‏فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏ المفروضة‏.‏

‏{‏ألم تر إلى الذين أوتوا قوماً غضب الله عليهم‏}‏ أَي‏:‏ المنافقين تولَّوا اليهود وناصحوهم، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين ‏{‏ما هم منكم‏}‏ أيُّها المؤمنون ‏{‏ولا منهم‏}‏ من اليهود ‏{‏ويحلفون على الكذب‏}‏ يحلفون أنَّهم لا يخونون المؤمنين ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ أنَّهم كاذبون في حلفهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏اتخذوا أيمانهم‏}‏ الكاذبة ‏{‏جنة‏}‏ يستجنُّون بها من القتل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 22‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏18‏)‏ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏19‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ‏(‏20‏)‏ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏21‏)‏ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له‏}‏ كاذبين ما كانوا مشركين ‏{‏كما يحلفون لكم‏}‏ كاذبين ‏{‏ويحسبون أنهم على شيء‏}‏ من نفاقهم، يأتونكم بوجهٍ، ويأتون الكفَّار بوجهٍ، ويظنُّون أنَّهم يسلمون فيما بينكم وبينهم ‏{‏ألا إنهم هم الكاذبون‏}‏‏.‏

‏{‏استحوذ عليهم الشيطان‏}‏ أي‏:‏ استولى عليهم‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يحادون الله ورسوله‏}‏ يخالفونهما‏.‏ ‏{‏أولئك في الأذلين‏}‏ المغلوبين‏.‏

‏{‏كتب الله‏}‏ قضى الله ‏{‏لأغلبنَّ أنا ورسلي‏}‏ إمَّا بالظفَّر والقهر، وإمَّا بظهور الحجَّة‏.‏

‏{‏لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أخبر الله في هذه الآية أنَّ المؤمن لا يوالي الكافر وإنْ كان أباه، أو أخاه، أو قريبه وذلك أنَّ المؤمنين عادوا آباءَهم الكفَّار وعشائرهم وأقاربهم، فمدحهم الله على ذلك فقال‏:‏ ‏{‏أولئك كتب في قلوبهم الإيمان‏}‏ أَيْ‏:‏ أثبته ‏{‏وأيديهم بروحٍ منه‏}‏ أيْ‏:‏ بنور الإِيمان، وقيل‏:‏ بالقرآن، ثمَّ وعدهم الإِدخال في الجنَّة فقال‏:‏ ‏{‏ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله أَلاَ إنَّ حزب الله هم المفلحون‏}‏‏.‏

سورة الحشر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏2‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

‏{‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ بني النَّضير ‏{‏من ديارهم‏}‏ مساكنهم بالمدينة، وذلك أنَّه نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف سيِّدهم، فقتل غيلةً، وحاصر بني النَّضير ثمَّ صالحهم على أن يخرجوا إلى الشَّام، فخرجوا وتركوا رباعهم وضياعهم، وقوله‏:‏ ‏{‏لأوَّل الحشر‏}‏ كانوا أوَّل مَنْ حُشر إلى الشَّام من اليهود من جزيرة العرب وقيل‏:‏ إنَّه كان أوَّل حشرٍ إلى الشَّام، والحشر الثَّاني حشر القيامة، والشَّام أرض المحشر‏.‏ ‏{‏ما ظننتم‏}‏ أَيُّها المؤمنون ‏{‏أن يخرجوا‏}‏ لعدَّتهم ومنَعتهم ‏{‏وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله‏}‏ وذلك أنَّهم كانوا أهل حلقةٍ وحصونٍ، فظنُّوا أنَّها تحفظهم من ظهور المسلمين عليهم ‏{‏فأتاهم الله‏}‏ أي‏:‏ أمر الله ‏{‏من حيث لم يحتسبوا‏}‏ من جهة المؤمنين، وما كانوا يحسبون أنَّهم يغلبونهم ويظهرون عليهم ‏{‏وقذف في قلوبهم الرعب‏}‏ ألقى في قلوبهم الخوف بقتل سيِّدهم ‏{‏يخربون بيوتهم بأيديهم‏}‏ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صالحهم على أنَّ لهم ما أقلَّت الإِبل، وكانوا ينظرون إلى الخشبة والشَّيء في منازلهم ممَّا يستحسنونه، فيقلعونه وينتزعونه ويهدمون البيوت لأجله، فذلك إخرابهم بأيديهم، ويخرِّب المؤمنون باقيها، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وأيدي المؤمنين‏}‏ وأضاف الإخراب بأيدي المؤمنين إليهم؛ لأنَّهم عرَّضوا منازلهم للخراب بنقض العهد‏.‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏ فاتَّعظوا ‏{‏يا أولي الأبصار‏}‏ يا ذوي العقول، فلا تفعلوا فعل بني النَّضير فينزل بكم ما نزل بهم‏.‏

‏{‏ولولا أن كتب الله‏}‏ قضى الله ‏{‏عليهم الجلاء‏}‏ الخروج عن الوطن ‏{‏لعذَّبهم في الدنيا‏}‏ بالقتل والسَّبى كما فعل بقريظة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏6‏)‏ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏ما قطعتم من لينة‏}‏ من نخلةٍ من نخيلهم ‏{‏أو تركتموها قائمة‏}‏ فلم تقطعوها ‏{‏فبإذن الله‏}‏ أي‏:‏ إنَّه أذن في ذلك، إِنْ شئتم قطعتم وإنْ شئتم تركتم، وذلك أنَّهم لمَّا تحصَّنوا بحصونهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا من ذلك، وقالوا‏:‏ من أين لك يا محمَّد عقر الشَّجر المثمر‏؟‏ واختلف المسلمون في ذلك، فمنهم مَنْ قطع غيظاً لهم، ومنهم من ترك القطع وقالوا‏:‏ هو مالنا‏:‏ أفاء الله علينا به، فأخبر الله أنَّ كلَّ ذلك من القطع والتَّرك بإذنه ‏{‏وليخزي الفاسقين‏}‏ وليذلَّ اليهود وليغيظهم‏.‏

‏{‏وما أفاء الله على رسوله‏}‏ ردَّ الله على رسوله ورجع إليه ‏{‏منهم‏}‏ من بني النَّضير من الأموال ‏{‏فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏}‏ أَيْ‏:‏ ما حملتم خيلكم ولا إبلكم على الوجيف إليه، وهو السَّير السَّريع، والمعنى‏:‏ لم تركبوا إليه خيلاً ولا إبلاً، ولا قطعتم إليه شُقَّة، فهو خالصٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل فيه ما أحبَّ، وليس كالغنيمة التي تكون للغانمين، وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏ولكنَّ الله يسلط رسله على مَنْ يشاء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏}‏ من أموال أهل القرى الكافرة ‏{‏فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ وكان الفيء يُخَمَّسُ خمسةَ أخماسٍ، فكانت أربعةُ أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يشاء، والخمس الباقي للمذكورين في هذه الآية، وأمَّا اليوم فما كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من الفيء يُصرف إلى أهل الثُّغور المُترصِّدين للقتال في أحد قولي الشَّافعي رحمه الله، والفيء‏:‏ كلُّ مالٍ رجع إلى المسلمين من أيدي الكفَّار عفواً من غير قتال، مثل‏:‏ مال الصُّلح والجزية والخراج، أو هربوا فتركوا ديارهم وأموالهم، كفعل بني النَّضير، وقوله‏:‏ ‏{‏كيلا يكون‏}‏ يعني‏:‏ الفيء ‏{‏دولة‏}‏ متداولاً ‏{‏بين الأغنياء‏}‏ الرُّؤساء والأقوياء ‏{‏منكم وما آتاكم الرسول‏}‏ أعطاكم من الفيء ‏{‏فخذوه وما نهاكم عنه‏}‏ عن أخذه ‏{‏فانتهوا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏9‏)‏ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏للفقراء المهاجرين‏}‏ يعني‏:‏ خمس الفيء للذين هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم حُبَّاً لله ولرسوله، ونصرةً لدينه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وينصرون الله‏}‏ أي‏:‏ دينه ‏{‏ورسوله أولئك هم الصادقون‏}‏ في إيمانهم‏.‏

‏{‏والذين تبوَّؤا الدار والإِيمان‏}‏ نزلوا المدينة وقبلوا الإيمان ‏{‏من قبلهم‏}‏ من قبل المهاجرين وهم الأنصار ‏{‏يحبون من هاجر إليهم‏}‏ من المسلمين ‏{‏ولا يجدون في صدورهم حاجة‏}‏ غيظاً وحسداً ‏{‏مما أوتوا‏}‏ ممَّا أُوتي المهاجرون من الفيء، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النَّضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلاَّ ثلاثة نفرٍ، كانت بهم حاجة فطابت أنفس الأنصار بذلك، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏ويؤثرون على أنفسهم‏}‏ أَي‏:‏ يختارون إخوانهم المهاجرين بالمال على أنفسهم ‏{‏ولو كانت بهم خصاصة‏}‏ حاجةٌ وفاقةٌ إلى المال ‏{‏ومَنْ يوق شح نفسه‏}‏ مَنْ حُفظ من الحرص المهلك على المال، وهو حرصٌ يحمله على إمساك المال عن الحقوق والحسد ‏{‏فأولئك هم المفلحون‏}‏‏.‏

‏{‏والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ أي‏:‏ والذين يَجئيون من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ‏{‏يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواتنا الذين سبقونا بالإيمان‏}‏ أي‏:‏ المهاجرين والأنصار ‏{‏ولا تجعل في قلوبنا غلاً‏}‏ حقداً ‏{‏للذين آمنوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فمن ترحَّم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في قلبه غِلٌّ لهم فهو من أهل هذه الآية، ومَنْ يشتم واحداً منهم ولم يترحَّم عليه لم يكن له حظٌّ في الفيء، وكان خارجاً من جملة أقسام المؤمنين، وهم ثلاثةٌ‏:‏ المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم بهذه الصِّفة التي ذكرها الله تعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 14‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏11‏)‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏12‏)‏ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏13‏)‏ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏ألم تر إلى الذين نافقوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وذلك أنَّ المنافقين ذهبوا إلى بني النَّضير لمَّا حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا‏:‏ لا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم محمدٌ كنَّا معكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً‏}‏ سألنا خذلانكم ‏{‏أبداً‏}‏ فكذَّبهم الله تعالى فيما قالوا بقوله‏:‏ ‏{‏والله يشهد إنهم لكاذبون‏}‏ والآية الثَّانية، وذكر أنَّهم إن نصروهم انهزموا ولم ينتصروا، وهو قوله‏:‏

‏{‏ولئن نصروهم ليولنَّ الأدبار ثمَّ لا ينصرون‏}‏‏.‏

‏{‏لأنتم‏}‏ أيُّها المؤمنون ‏{‏أشد رهبة في صدروهم‏}‏ صدور المنافقين من الله، يقول‏:‏ أنتم أهيبُ في صدورهم من الله تعالى؛ لأنَّهم يُخفون منك موافقة اليهود خوفاً منكم، ولا يخافون الله فيتركون ذلك‏.‏

‏{‏لا يقاتلونكم جميعاً‏}‏ أي‏:‏ اليهود ‏{‏إلاَّ في قرىً محصنة أو من وراء جدر‏}‏ أي‏:‏ لِمَا ألقى الله في قلوبهم من الرعب لا يقاتلونكم إلاَّ مُتحصِّنين بالقرى والجدران، ولا يبرزون لقتالكم‏.‏ ‏{‏بأسهم بينهم شديد‏}‏ خلافهم بينهم عظيم ‏{‏تحسبهم جميعاً‏}‏ مُجتمعين مُتَّفقين ‏{‏وقلوبهم شتى‏}‏ مُختلفةٌ مُتفرِّقةٌ، و‏{‏ذلك بأنهم قوم لا يعقلون‏}‏ عن الله أمره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏15‏)‏ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ‏(‏17‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏18‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏كمثل الذين من قبلهم‏}‏ أي‏:‏ المشركين، يقول‏:‏ هم في تركهم الإيمان وغفلتهم عن عذاب الله كالذين من قبلهم ‏{‏قريباً ذاقوا وبال أمرهم‏}‏ يعني‏:‏ أهل بدرٍ ذاقوا العذاب بمدَّةٍ قليلةٍ من قبل ما حلَّ بالنَّضير من الجلاء والنَّفي، وكان ذلك بعد مرجعه من أُحدٍ، وقوله‏:‏

‏{‏كمثل الشيطان‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ المنافقين في نصرتهم لليهود كمثل الشَّيطان ‏{‏إذ قال للإِنسان اكفر‏}‏ يعني‏:‏ عابداً في بني إسرائيل فتنه الشَّيطان حتى كفر، ثمَّ خذله، كذلك المنافقون منَّوا بني النَّضير نصرتهم ثمَّ خذلوهم وتبرَّؤوا منهم‏.‏

‏{‏فكان عاقبتهما‏}‏ عاقبة الشَّيطان والكافر ‏{‏أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين‏}‏‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله‏}‏ بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ‏{‏ولتنظر نفسٌ ما قدَّمت لغد‏}‏ يوم القيامة من طاعةٍ وعملٍ صالحٍ‏.‏

‏{‏ولا تكونوا كالذين نسوا الله‏}‏ تركوا طاعة اللَّه وأمره ‏{‏فأنساهم أنفسهم‏}‏ حظَّ أنفسهم أن يُقدِّموا لها خيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏21‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏22‏)‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله‏}‏ أخبر الله تعالى أنَّ من شأن القرآن وعظمته أنَّه لو جُعل في الجبل تمييزٌ- كما جعل في الإنسان- وأُنزل عليه القرآن لخشع وتصدَّع، أَيْ‏:‏ تشقَّق من خشية الله‏.‏ قوله‏:‏

‏{‏عالم الغيب والشهادة‏}‏ السِّرِّ والعلانيَة‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏الملك‏}‏‏:‏ ذو الملك ‏{‏القدوس‏}‏ الطَّاهر عمَّا لا يليق به ‏{‏السلام‏}‏ ذو السَّلامة من الآفات والنَّقائص ‏{‏المؤمن‏}‏ المُصدِّق رسله بخلق المعجزة لهم‏.‏ وقيل‏:‏ الذي آمن خلقه من ظلمه ‏{‏المهيمن‏}‏ الشَّهيد ‏{‏العزيز‏}‏ القويُّ ‏{‏الجبار‏}‏ الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره ‏{‏المتكبر‏}‏ عمَّا لا يليق به‏.‏

سورة الممتحنة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏1‏)‏ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ‏(‏2‏)‏ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏}‏ نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة لمَّا كتب إلى مشركي مكَّة يُنذرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الخروج إليهم ‏{‏تلقون إليهم بالمودة‏}‏ أَيْ‏:‏ تُلقون إليهم أخبار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وسرَّه بالمودة التي بينكم وبينهم ‏{‏وقد كفروا‏}‏ أَي‏:‏ وحالهم أنَّهم كافرون ‏{‏بما جاءكم من الحق‏}‏ دين الإِسلام والقرآن ‏{‏يخرجون الرسول وإياكم‏}‏ أيُّها المؤمنون من مكَّة ‏{‏أن تؤمنوا‏}‏ لأن آمنتم ‏{‏بالله ربكم إن كنتم خرجتم‏}‏ من مكَّة ‏{‏جهاداً‏}‏ للجهاد ‏{‏في سبيلي وابتغاء مرضاتي‏}‏ وجواب هذا الشَّرط متقدِّم وهو قوله‏:‏ ‏{‏لا تتخذوا عدوي‏}‏ أي‏:‏ لا تتَّخذوهم أولياء إن كنتم تبتغون مرضاتي، وقوله‏:‏ ‏{‏تسرون إليهم بالمودة‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏تُلقون إليهم بالمودَّة‏}‏ ‏{‏وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم‏}‏ وذلك أنَّ الله أطلع نبيَّه عليه السَّلام على مكاتبة حاطبٍ للمشركين حتى استردَّ الكتاب ممَّن دفعه إليه ليوصله إليهم ‏{‏ومن يفعله منكم‏}‏ أي‏:‏ الإسرار إليهم ‏{‏فقد ضلَّ سواء السبيل‏}‏ أخطأ طريق الدِّين، ثمَّ أعلم أنَّه ليس ينفعهم ذلك عند المشركين، فقال‏:‏

‏{‏إن يثقفوكم‏}‏ أَيْ‏:‏ يلقوكم ويظفروا بكم ‏{‏يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم‏}‏ بالضَّرب والقتل ‏{‏وألسنتهم بالسّوء‏}‏ أي‏:‏ الشَّتم ‏{‏وودوا لو تكفرون‏}‏ فلا تُناصِحوهم، فإنَّهم معكم على هذه الحالة، ثمَّ أخبر أنَّ أهلهم وأولادهم الذين لأجلهم يُناصحون المشركين لا ينفعونهم شيئاً في القيامة، فقال‏:‏

‏{‏لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم‏}‏ المشركون ‏{‏يوم القيامة يفصل بينكم‏}‏ فيدخل المؤمنون الجنَّة، والكافرون النَّار، ثمَّ أمرَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأصحاب إبراهيم عليه السَّلام، فقال‏:‏ ‏{‏قد كانت لكم أسوة حسنة‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 8‏]‏

‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ‏(‏4‏)‏ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏5‏)‏ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏6‏)‏ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏قد كانت لكم أسوة حسنة‏}‏ ائتمامٌ واقتداءٌ ‏[‏وطريقةٌ حسنةٌ‏]‏ ‏{‏في إبراهيم والذين معه‏}‏ من أصحابه إذ تبرَّؤوا من قومهم الكفَّار وعادوهم، وقالوا لهم‏:‏ ‏{‏كفرنا بكم‏}‏ أَيْ‏:‏ أنكرناكم وقطعنا محبتكم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إلاَّ قول إبراهيم لأبيه‏}‏ أَيْ‏:‏ كانت لكم أسوةٌ فيهم ما خلا هذا، فإنَه لا يجوز الاستغفار للمشركين، ثمَّ أخبر أنَّهم قالوا يعني قوم إبراهيم‏:‏ ‏{‏ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير‏}‏‏.‏

‏{‏ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تُظهرهم علينا فيظنوا أنَّهم على حقٍّ، فيفتتنوا بذلك‏.‏

‏{‏لقد كان لكم فيهم‏}‏ في إبراهيم والذين معه ‏{‏أسوة حسنة‏}‏ تقتدون بهم، فتفعلون من البراءة من الكفَّار كما فعلوا، وتقولون كما قالوا ممَّا أخبر عنهم، ثمَّ بيَّن أنَّ هذا الاقتداء بهم ‏{‏لمن كان يرجو الله واليوم الآخر‏}‏ ‏{‏ومن يتول‏}‏ عن الحقِّ ووالى الكفَّار ‏{‏فإنَّ الله هو الغني الحميد‏}‏‏.‏

‏{‏عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم‏}‏ من مشركي مكَّة ‏{‏مودَّة‏}‏ بأن يهديهم للدِّين، فيصيروا لكم أولياء وإخواناً، ثمَّ فعل ذلك بعد فتح مكَّة، فتزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة بنت سفيان، ولان أبو سفيان للمؤمنين وترك ما كان عليه من العداوة، ثمَّ رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفَّار، فقال‏:‏

‏{‏ولا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا ينهاكم عن برِّ هؤلاء ‏{‏وتقسطوا إليهم‏}‏ أَيْ‏:‏ تعدلوا فيهم بالإحسان، ثمَّ ذكر أنَّه إنَّما ينهاهم عن أن يتولَّوا مشركي مكَّة الذين قاتلوهم، فقال‏:‏ ‏{‏إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 13‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏9‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏11‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم‏}‏‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت بعد صلح الحديبية، وكان الصُّلح قد وقع على أن يردَّ إلى أهل مكَّة مَنْ جاء من المؤمنين منهم، فأنزل الله في النِّساء إذا جئن مهاجراتٍ أَنْ يُمتحنَّ، وهو وقوله‏:‏ ‏{‏فامتحنوهن‏}‏ وهو أنّْ تُستحلف ما خرجت بُغضاً لزوجها، ولا عشقاً لرجلٍ من المسلمين، وما خرجت إلاَّ رغبةً في الإسلام، فإذا حلفت لم تردَّ إلى الكفَّار، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فإن علمتموهنَّ مؤمنات فلا ترجعوهنَّ إلى الكفار‏}‏ لأنَّ المسلمةَ لا تحلُّ للكافر، وقوله‏:‏ ‏{‏وآتوهم‏}‏ يعني‏:‏ أزواجهم الكفَّار ما أنفقوا عليهنَّ من المهر ‏{‏ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ءاتيتموهنَّ أجورهنَّ‏}‏ أي‏:‏ مهورهنَّ وإن كان لهنَّ أزواجٌ كفَّارٌ، ‏[‏في دار الإِسلام‏]‏، لأنَّ الإِسلام أبطل تلك الزَّوجية، ‏{‏ولا تمسكوا بعصم الكوافر‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تمسكوا بنكاحهنَّ؛ فإنَّ العصمة لا تبقى بين المشركة والمؤمن، والمعنى‏:‏ إن لحقت بالمشركين واحدةٌ من نسائكم فلا تتمسكوا بنكاحها ‏{‏واسألوا ما أنفقتم‏}‏ عليهنَّ من المهر مَنْ يتزوجهنَّ من الكفَّار ‏{‏وليسألوا‏}‏ يعني‏:‏ المشركين ‏{‏ما أنفقوا‏}‏ من المهر، فلمَّا نزلت هذه الآية أدَّى المؤمنون ما أُمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون ذلك، فنزلت‏:‏

‏{‏وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار‏}‏ أَيْ‏:‏ إنْ لحقتْ واحدةٌ من نسائكم مرتدَّةً بالكفَّار ‏{‏فعاقبتم‏}‏ فغزوتموهم وكانت العقبى لكم ‏{‏فآتوا الذين ذهبت أزواجهم‏}‏ إلى الكفَّار ‏{‏مثل ما أنفقوا‏}‏ عليهنَّ من الغنائم، ثمَّ نزل في بيعة النِّساء‏:‏

‏{‏يا أيها النبيُّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنَّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يأتين بولدٍ ينسبنه إلى الزَّوج؛ فإن ذلك بهتانٌ وفِريةٌ ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏}‏ أيْ‏:‏ فيما وافق طاعة الله تعالى ‏{‏فبايعهنَّ‏}‏ أمره أن يُبايعهنَّ على الشَّرائط التي ذكرها في هذه الآية، ثمَّ نهى المؤمنين عن موالاة اليهود، فقال‏:‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة‏}‏ أن يكون لهم فيها ثوابٌ ‏{‏كما يئس الكفار‏}‏ الذين لا يوقنون بالبعث ‏{‏من أصحاب القبور‏}‏ أن يُبعثوا‏.‏ وقيل‏:‏ كما يئس الكفَّار الذين في القبور مَنْ أَنْ يكون لهم في الآخرة خيرٌ‏.‏

سورة الصف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏1‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ‏(‏2‏)‏ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ‏(‏3‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ‏(‏4‏)‏ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏سبَّح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون‏}‏ كان المؤمنون يقولون‏:‏ لو علمنا أحبَّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فأُخبروا بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون‏}‏ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَبُر مقتاً عند الله‏}‏ أَيْ‏:‏ عَظُم ذلك في البعض ‏{‏أن تقولوا ما لا تفعلون‏}‏ وقوله‏:‏

‏{‏إنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً‏}‏ وأُعلموا أنَّ أحب الأعمال إلى الله الجهاد، فلم يَفوا بما قالوا وانهزموا يوم أُحدٍ، فَعُيِّروا بهذه الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ لاصق ٌ بعضه ببعض لا يزولون عن أماكنهم‏.‏

‏{‏وإذ قال موسى‏}‏ أَيْ‏:‏ اذكر يا محمَّد لقومك قصَّة موسى إذ قال لقومه‏:‏ ‏{‏يا قوم لم تؤذونني‏}‏ وذلك حين رموه بالأُدْرَة ‏{‏وقد تعلمون أني رسول الله إليكم‏}‏ والرَّسول يُعظَّم ولا يُؤذى ‏{‏فلما زاغوا‏}‏ عدلوا عن الحقِّ ‏{‏أزاغ الله قلوبهم‏}‏ أضلَّهم الله وصرف قلوبهم عن الحقِّ ‏{‏والله لا يهدي القوم الفاسقين‏}‏ أَيْ‏:‏ مَنْ سبق في علمه أنَّه فاسقٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 14‏]‏

‏{‏وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏13‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وأخرى تحبونها‏}‏ أَيْ‏:‏ ولكم أخرى تحبُّونها في العاجل مع ثواب الآجل، ثمَّ بيَّن ما هي فقال‏:‏ ‏{‏نصرٌ من الله وفتح قريب‏}‏‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله‏}‏ أعواناً بالسَّيف على أعدائه ‏{‏كما قال عيسى ابن مريم للحواريين مَنْ أنصاري إلى الله‏}‏ أَيْ‏:‏ مع الله ‏{‏قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمنت طائفة من بني إسرائيل‏}‏ بعيسى ‏{‏وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏قوّيناهم‏]‏ ‏{‏على عدوهم فأصبحوا ظاهرين غالبين‏.‏

سورة الجمعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏2‏)‏ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

‏{‏هو الذي بعث في الأميين‏}‏ يعني‏:‏ العرب ‏{‏رسولاً منهم‏}‏ محمداً عليه السَّلام‏.‏

‏{‏وآخرين منهم‏}‏ أَيْ‏:‏ وفي آخرين منهم ‏{‏لما يلحقوا بهم‏}‏ وهم التَّابعون وجميعُ مَنْ يدخل في الإسلام، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى كلِّ مَنْ شاهده، وإِلى كلِّ مَنْ كان بعدهم من العرب والعجم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 6‏]‏

‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏5‏)‏ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏مثل الذين حملوا التوارة‏}‏ كُلِّفوا العمل بها ‏{‏ثمَّ لم يحملوها‏}‏ لم يعملوا بما فيها ‏{‏كمثل الحمار يحمل أسفاراً‏}‏ كتباً‏.‏ أَيْ‏:‏ اليهود، شبَّههم في قلَّة انتفاعهم بما في أيديهم من التَّوراة إذ لم يؤمنوا بمحمد عليه السَّلام بالحمار يحمل كتباً، ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏بئس مثلُ القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏.‏

‏{‏قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏ فسِّر في سورة البقرة عند قوله‏:‏ ‏{‏قل إنْ كانت لكم الدَّارُ الآخرةُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏9‏)‏ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏قل إنَّ الموت الذي تفِرُّون منه‏}‏ وذلك أنَّهم علموا أنَّ عاقبتهم النَّار بتكذيب محمد عليه السَّلام، فكرهوا الموت، قال الله‏:‏ ‏{‏فإنَّه ملاقيكم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا بدَّ لكم منه يلقاكم وتلقونه‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله‏}‏ أَيْ‏:‏ اعلموا على المشي إليه ‏{‏وذروا البيع‏}‏ اتركوه بعد النِّداء‏.‏

‏{‏فإذا قضيت الصَّلاة‏}‏ فُرغ منها ‏{‏فانتشروا في الأرض‏}‏ أَمرُ إباحةٍ ‏{‏وابتغوا من فضل الله‏}‏ الرِّزق‏.‏

‏{‏وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها‏}‏ أَيْ‏:‏ تفرَّقوا عنك إلى التِّجارة، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ وضرب لقدومها الطبل، وكان ذلك في زمان غلاءٍ بالمدينة، فتفرَّق النَّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى التِّجارة وصوت الطبل، ولم يبق معه إلاَّ اثنا عشر نفساً‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وتركوك قائماً‏}‏ أَيْ‏:‏ في الخطبة‏.‏ ‏{‏قل ما عند الله‏}‏ ‏[‏للمؤمنين‏]‏ ‏{‏خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين‏}‏ فإيَّاه فاسألوا، ولا تنفضُّوا عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم لطلب الرِّزق‏.‏

سورة المنافقون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ‏(‏1‏)‏ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏2‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ‏(‏5‏)‏ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إنَّ المنافقين لكاذبون‏}‏ لإِضمارهم خلاف ما أظهروا‏.‏

‏{‏اتخذوا أيمانهم‏}‏ جمع يمينٍ ‏{‏جنَّة‏}‏ سترةً يستترون بها من القتل‏.‏ يعني‏:‏ قولهم‏:‏ ‏{‏ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يحلفون بالله ما قالوا‏}‏ ‏{‏فصدوا عن سبيل الله‏}‏ منعوا النَّاس عن الإِيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم ‏{‏إنهم ساء ما كانوا يعملون‏}‏ بئس ‏[‏العملُ‏]‏ عملهم‏.‏

‏{‏ذلك بأنهم آمنوا‏}‏ في الظَّاهر ‏{‏ثمَّ كفروا‏}‏ بالاعتقاد‏.‏

‏{‏وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم‏}‏ في طولها واستواء خلقها، وكان عبد الله بن أبيّ جسيماً صبيحاً فصيحاً، إذا تكلَّم يَسمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قوله، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وإن يقولوا تسمع لقولهم‏}‏ ثمَّ أعلم أنَّهم في ترك التَّفهُّم بمنزلة الخشب، فقال‏:‏ ‏{‏كأنهم خشب مسندة‏}‏ أَيْ‏:‏ ممالةٌ إلى الجدار ‏{‏يحسبون‏}‏ من جُبنهم وسوء ظنِّهم ‏{‏كلَّ صيحة عليهم‏}‏ أَيْ‏:‏ إنْ نادى منادٍ في العسكر، أو ارتفع صوتٌ، ظنُّوا أنَّهم يُرادون بذلك لما في قلوبهم من الرُّعب ‏{‏هم العدو‏}‏ وإن كانوا معك ‏{‏فاحذرهم‏}‏ ولا تأمنهم ‏{‏قاتلهم الله‏}‏ لعنهم الله ‏{‏أنى يؤفكون‏}‏ من أين يُصرفون عن الحقِّ بالباطل‏؟‏‏!‏‏.‏

‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم‏}‏ وذلك أنَّه لمَّا نزلت هذه الآيات قيل لعبد الله بن أبيّ‏:‏ لقد نزلت فيك آيٌ شدادٌ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه وأعرض بوجهه إظهاراً للكراهة ‏{‏ورأيتهم يصدون‏}‏ يُعرضون عمَّا دُعوا إليه ‏{‏وهم مستكبرون‏}‏ لا يستغفرون، ثمَّ أخبر أنَّ استغفار الرَّسول عليه السَّلام لا ينفعهم لفسقهم وكفرهم فقال‏:‏

‏{‏سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏7‏)‏ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏8‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏9‏)‏ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏10‏)‏ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏هم الذين يقولون‏:‏ لا تنفقوا على من عند رسول الله‏}‏ وذلك أَنَّ عبد الله ابن أبيّ قال لقومه وذويه‏:‏ لا تنفقوا على أصحاب محمَّد- صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم- حتى ينفضُّوا، أَيْ‏:‏ يتفرَّقوا ‏{‏ولله خزائن السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّه يرزق الخلق كلَّهم، وهو يرزق المؤمنين والمنافقين جميعاً‏.‏

‏{‏يقولون لئن رجعنا إلى المدينة‏}‏ يعني‏:‏ عبد الله ابن أبيّ، وكان قد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة بني المصطلق، وجرى بينه وبين واحدٍ من المؤمنين جدال، فأفرط عليه المؤمن فقال عبد الله بن أبيّ‏:‏ ‏{‏لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل‏}‏ يعني‏:‏ بالأعزِّ نفسه، وبالأذلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله العزَّة‏}‏ القوَّة والغلبة ‏{‏ولرسوله‏}‏ بعلوِّ كلمته وإظهار دينه ‏{‏وللمؤمنين‏}‏ بنصر الله إيَّاهم على مَنْ ناوأهم‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم‏}‏ لا تشغلكم ‏{‏أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله‏}‏ أَيْ‏:‏ الصَّلوات الخمس ‏{‏ومَنْ يفعل ذلك‏}‏ يشتغل بشيءٍ عن الصَّلوات ‏{‏فأولئك هم الخاسرون‏}‏‏.‏

‏{‏وأنفقوا مما رزقناكم‏}‏ يعني‏:‏ أَدُّوا الزَّكاة ‏{‏من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول‏:‏ ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب‏}‏ هلاَّ أخرتني إلى أجلٍ قريبٍ، يسأل الرجعة، وما قصَّر أحدٌ في الزَّكاة والحجِّ إلاَّ سأل الرَّجعة عند الموت ‏{‏فأصدَّق‏}‏ أَيْ‏:‏ أتصدَّق وأُزكِّي ‏{‏وأكن من الصالحين‏}‏ أَيْ‏:‏ أحج‏.‏ قال الله تعالى‏:‏

‏{‏ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبيرٌ بما تعملون‏}‏‏.‏

سورة التغابن

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏2‏)‏ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‏}‏‏.‏

‏{‏هو الذي خلقكم‏}‏ أَيْ‏:‏ في بطون أمهاتكم ‏{‏فمنكم كافر ومنكم مؤمن‏}‏ أَيْ‏:‏ خلقكم كُفَّاراً ومؤمنين، وقوله‏:‏

‏{‏فأحسن صوركم‏}‏ أَيْ‏:‏ خلقكم أحسن الحيوان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 6‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏5‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏ألم يأتكم‏}‏ يا أهلَ مكَّة ‏{‏نبأ الذين كفروا من قبل‏}‏ أَيْ‏:‏ خبر الأمم الكافرة قبلكم ‏{‏فذاقوا وبال أمرهم‏}‏ ذاقوا في الدُّنيا العقوبة بكفرهم ‏{‏ولهم‏}‏ في الآخرة ‏{‏عذاب أليم‏}‏‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك الذي نزل بهم ‏{‏بأنَّه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا‏:‏ أبشرٌ يهدوننا‏}‏ استبعدوا أن يكون الدَّاعي إلى الحقِّ بشراً، والمراد بالبشر ههنا الجمع، لذلك قال‏:‏ ‏{‏يهدوننا، فكفروا وتولوا‏}‏ عن الإِيمان ‏{‏واستغنى الله‏}‏ أَيْ‏:‏ عن إيمانهم ‏{‏والله غنيٌّ‏}‏ عن خلقه ‏{‏حميد‏}‏ في أفعاله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏يوم التغابن‏}‏ يغبن فيه أهلُ الجنَّة أهلَ النَّار بأخذ منازلهم التي كانت لهم في الجنَّة لو آمنوا، ويغبن مَنْ ارتفعت منزلته في الجنَّة مَنْ كان دون منزلته، فيظهر في ذلك اليوم غبن كلِّ كافرٍ بترك الإِيمان، وغبن كلِّ مؤمنٍ بتقصيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏ما أصاب من مصيبة إلاَّ بإذن الله‏}‏ بعلمه وإرادته ‏{‏ومَنْ يؤمن بالله‏}‏ يُصدِّق بأنَّه لا تصيبه مصيبةٌ إلاَّ بإذن الله ‏{‏يهد قلبه‏}‏ يجعله مهتدياً حتى يشكر عند النِّعمة، ويصبر عند الشدَّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 16‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏14‏)‏ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏15‏)‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم‏}‏ نزلت في قومٍ آمنوا، وأرادوا الهجرة فثبَّطهم أهلهم وأولادهم، وقالوا‏:‏ لا نصبر على مفارقتكم، فأخبر الله تعالى أنَّهم أعداءٌ لهم بحملهم إيَّاهم على المعصية وترك الطَّاعة ‏{‏فاحذروهم‏}‏ أن تقبلوا منهم ولا تطيعوهم، ثمَّ إذا هاجر هذا الذي ثبَّطه أهله عن الهجرة رأى النَّاس قد تعلَّموا القرآن، وتفقَّهوا في الدِّين فيهمُّ أن يعاقب أهله، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تعفوا وتصفحوا فإن الله غفور رحيم‏}‏‏.‏

‏{‏إنما أموالكم وأولادكم فتنة‏}‏ اتبلاءٌ واختبارٌ لكم، فمَنْ كسب الحرام لأجل الأولاد، ومنع ماله عن الحقوق، فهو مفتونٌ بالمال والولد ‏{‏والله عنده أجر عظيم‏}‏ لمن صبر عن الحرام، وأنفق المال في حقِّه‏.‏

‏{‏فاتقوا الله ما استطعتم‏}‏ يعني‏:‏ إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عن ذلك‏.‏ وهذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّقوا اللَّهَ حقَّ تُقاتِه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأنفقوا خيراً لأنفسكم‏}‏ أَيْ‏:‏ قدِّموا خيراً لأنفسهم من أموالكم ‏{‏ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسه‏}‏ بخلها وحرصها حتى ينفق المال ‏{‏فأولئك هم المفلحون‏}‏ الفائزون بالخير‏.‏

سورة الطلاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ‏(‏1‏)‏ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها النبيُّ إذا طلقتم النساء‏}‏ هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏إذا طلقتم‏}‏‏:‏ إذا أردتم طلاق النِّساء ‏{‏فطلقوهنَّ لعدتهنَّّ‏}‏ أَيْ‏:‏ لطهرهنَّ الذي يحصينه من عدتهنَّ، وهذا سنَّةُ الطَّلاق، ولا تُطلقوهنَّ لحيضتهنَّ التي لا يعتدون بها من زمان العِدَّة‏.‏ ‏{‏وأحصوا العدة‏}‏ أَيْ‏:‏ عدد أقرائها، واحفظوها لتعلموا وقت الرَّجعة إن أردتم أن تُراجعوهنَّ، وذلك أنَّ الرجعة إنَّما تجوز في زمان العِدَّة ‏{‏واتقوا الله ربكم‏}‏ وأطيعوه فيما يأمركم وينهاكم ‏{‏لا تخرجوهنَّ من بيوتهن‏}‏ حتى تنقضي عدَّتهنَّ ‏{‏ولا يخرجن‏}‏ من البيوت في زمان العِدَّة ‏{‏إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ وهي الزِّنا، فيخرجن حينئذٍ لإِقامة الحدِّ عليهنَّ ‏{‏وتلك حدود الله‏}‏ يعني‏:‏ ما ذكر من طلاق السُّنَّة ‏{‏ومَنْ يتعدَّ حدود الله‏}‏ ما حدَّ الله له من الطَّلاق وغيره ‏{‏فقد ظلم نفسه لا تدري لعلَّ الله يحدث بعد ذلك أمراً‏}‏ بعد الطَّلاق مراجعةً، وهذا يدلُّ على كراهية التَّطليق ثلاثاً بمرَّةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ إحداث الرَّجعة لا يكون بعد الثَّلاث‏.‏

‏{‏فإذا بلغن أجلهنَّ‏}‏ قاربن انقضاء العدَّة ‏{‏فأمسكوهنَّ‏}‏ برجعةٍ تراجعونهنَّ بها ‏{‏بمعروف‏}‏ وهو أن لا يريد بالرَّجعة ضرارها ‏{‏أو فارقوهنَّ بمعروف‏}‏ أَيْ‏:‏ اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ فتبين، ولا تضاروهنَّ بمراجعتهنَّ‏.‏ ‏{‏وأشهدوا ذوي عدل منكم‏}‏ على الرَّجعة أو الفراق‏.‏ ‏{‏ومَنْ يتَّق الله‏}‏ يُعطه فيما يأمره وينهاه ‏{‏يجعل له مخرجاً‏}‏ من الشدَّة إلى الرَّخاء، ومن الحرام إلى الحلال، ومن النَّار إلى الجنَّة، يعني‏:‏ من صبر على الضِّيق، واتَّقى الحرام جعل الله له مخرجاً من الضِّيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 6‏]‏

‏{‏وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ‏(‏4‏)‏ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ‏(‏5‏)‏ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏ويرزقه من حيث لا يحتسب‏}‏ ويروى أنَّ هذا نزل في عوف بن مالك الأشجعيِّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إنَّ العدو أسر ابني، وشكا إليه الفاقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اتَّق الله واصبر، وأَكْثِرْ من قول‏:‏ لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ففعل الرَّجل ذلك، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، وأصابَ إبلاً لهم وغنماً، فساقها إلى أبيه‏.‏ ‏{‏ومَن يتوكل على الله‏}‏ ما أهمَّه يتوثق به ويسكن قلبه إليه ‏{‏فهو حسبه‏}‏ كافيه ‏{‏إنَّ الله بالغ أمره‏}‏ يبلغ أمره فيما يريد، وينفذه ‏{‏قد جعل الله لكل شيء قدراً‏}‏ ميقاتاً وأجلاً‏.‏

‏{‏واللائي يئسن من المحيض من نسائكم‏}‏ أَيْ‏:‏ القواعد من النِّساء اللاتي قعدن عن الحيض ‏{‏إن ارتبتم‏}‏ إنْ شككتم في حكمهنَّ ولم تعلموا عدَّتهنَّ، وذلك أنَّهم سألوا فقالوا‏:‏ قد عرفناه عدَّة التي تحيض، فما عِدَّة التي لا تحيض والتي لم تحض بعد‏؟‏ فبيَّن الله تعالى ذلك فقال‏:‏ ‏{‏فعدتهنَّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن‏}‏ يعني‏:‏ الصِّغار‏.‏ ‏{‏وأولات الأحمال‏}‏ ذوات الحمل من النِّساء ‏{‏أجلهنَّ‏}‏ عدتهنَّ ‏{‏أن يضعن حملهنَّ‏}‏ فإذا وضعت الحامل انقضت عدَّتها مُطلَّقةً كانت، أو مُتوفَّى عنها زوجها ‏{‏ومن يتق الله‏}‏ بطاعته في أوامره ونواهيه ‏{‏يجعل له من أمره يسراً‏}‏ أتاه باليسر في أموره‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ يعني‏:‏ ما ذُكر من أحكام العِدَّة ‏{‏أمر الله أنزله إليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏أسكنوهنَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ المطلَّقات ‏{‏من حيث سكنتم‏}‏ أَيْ‏:‏ من منازلكم وبيوتكم ‏{‏من وُجدكم‏}‏‏:‏ من سعتكم وطاقتكم ‏{‏ولا تضاروهنَّ‏}‏ لا تؤذوهن ‏{‏لتضيقوا عليهن‏}‏ مساكنهن فيحتجن إلى الخروج ‏{‏وإن كنّ‏}‏ أي المطلقات ‏{‏أولات حَمْلٍ فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم‏}‏ أولادكم منهنَّ ‏{‏فآتوهن أجورهنّ‏}‏ على إرضاعهنَّ ‏{‏وائتمروا بينكم بمعروف‏}‏ أَيْ‏:‏ ليقبل بعضكم من بعضٍ إذا أمره بمعروف ‏{‏وإن تعاسرتم‏}‏ تضايقتم ولم تتوافقوا على إرضاع الأمِّ ‏{‏فسترضع‏}‏ الصَّبيَّ ‏[‏‏{‏له‏}‏ لوالده‏]‏ مرضعةٌ أخرى سوى الأُمَّ، ولا تُكرَهُ الأمُّ على الإِرضاع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 12‏]‏

‏{‏لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ‏(‏7‏)‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏8‏)‏ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ‏(‏9‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ‏(‏10‏)‏ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ‏(‏11‏)‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏لينفق ذو سعة من سعته‏}‏ أمر أهل التَّوسعة أن يُوسِّعوا على نسائهم المرضعات أولادهنَّ ‏{‏ومَنْ قدر عليه رزقه‏}‏ مَنْ كان رزقه بمقدار القوت ‏{‏فلينفق‏}‏ على قدر ذلك‏.‏ ‏{‏لا يكلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها‏}‏ أعطاها‏.‏ ‏{‏سيجعل الله بعد عسرٍ يُسْراً‏}‏ أعلم الله تعالى المؤمنين أنَّهم- وإن كانوا في حالٍ ضيقةٍ- سَيُوَسِّرهم ويفتح عليهم، وكان الغالب عليهم في ذلك الوقت الفقر والفاقة، ثمَّ فتح الله عليهم وجاءهم باليسر‏.‏

‏{‏وكأين‏}‏ وكم ‏{‏من قرية عتت عن أمر ربها ورسله‏}‏ عتا أهلها عمَّا أمر الله تعالى به ورسله ‏{‏فحاسبناها‏}‏ في الآخرة ‏{‏حساباً شديداً وعذَّبناها عذاباً نكراً‏}‏ فظيعاً، يعني‏:‏ عذاب النَّار‏.‏

‏{‏فذاقت وبال أمرها‏}‏ ثقل عاقبة أمرها ‏{‏وكان عاقبة أمرها خسراً‏}‏ خساراً وهلاكاً‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏قد أنزل الله إليكم ذكراً‏}‏ أَيْ‏:‏ القرآن‏.‏

‏{‏رسولاً‏}‏ أَيْ‏:‏ وأرسل رسولاً‏.‏ ‏{‏يتلو عليكم آياتِ الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور‏}‏ من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قد أحسن الله له رزقاً‏}‏ أَيْ‏:‏ رزقهُ الجنَّة التي لا ينقطع نعيمُها‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏يتنزل الأمر بينهنَّ‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ في كلِّ سماء وكلِّ أرض خلقاً من خلقه، وأمراً نافذاً من أمره ‏{‏لتعلموا‏}‏ أَيْ‏:‏ أعلمكم ذلك وبيَّنه لتعلموا قدرته على كلّ شيء، وأنَّه علم كلَّ شيءٍ‏.‏

سورة التحريم

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها النبيُّ لم تحرِّم ما أحلَّ الله لك‏}‏ رُوي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل على حفصة في يوم نوبتها، فخرجت هي لبعض شأنها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مارية جاريته، وأدخلها بيت حفصة وواقعها، فلمَّا رجعت حفصة علمت بذلك فغضبت وبكت، وقالت‏:‏ أَما لي حرمةٌ عندك وحقٌّ‏؟‏‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اسكتي فهي حرامٌ عليَّ، أبتغي بذلك رضاك، وحلف أن لا يقربها، وبشَّرها بأنَّ الخليفة من بعده أبوها وأبو عائشة رضي الله عنهم أجميعن ذكوراً وإناثاً، وقال لها‏:‏ لا تخبري أحداً بما أسررتُ إليك من أمر الجارية وأمر الخلافة من بعدي، فلمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندها أخبرت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها بذلك وقالت‏:‏ قد أراحنا الله من مارية، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّمها على نفسه، وقصَّت عليها القصَّة، فنزل‏:‏ ‏{‏لم تحرِّم ما أحل الله لك‏}‏ أَيْ‏:‏ الجارية ‏{‏تبتغي‏}‏ بتحريمها ‏{‏مرضاة أزواجك والله غفور رحيم‏}‏ غفر لك ما فعلت من التَّحريم، ثمَّ أمره بأن يكفِّر عن يمينه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 4‏]‏

‏{‏قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ‏(‏2‏)‏ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏3‏)‏ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏قد فرض الله لكم‏}‏ أَيْ‏:‏ بيَّن الله لكم ‏{‏تحلَّة أيمانكم‏}‏ ما تستحلُّ به المحلوف عليه من الكفَّار‏.‏ يعني‏:‏ في سورة المائدة‏.‏

‏{‏وإذ أسرَّ النبيُّ إلى بعض أزواجه‏}‏ يعني‏:‏ حفصة ‏{‏حديثاً‏}‏ تحريم الجارية وأمر الخلافة ‏{‏فلما نبأت به‏}‏ أخبرت به عائشة رضوان الله عليهما وعلى أبيهما ‏{‏وأظهره الله عليه‏}‏ أطلع نبيَّه عليه السَّلام على إفشائها السِّرَّ ‏{‏عرَّف بعضه‏}‏ أخبر حفصه ببعض ما قالت لعائشة ‏{‏وأعرض عن بعض‏}‏ فلم يُعرِّفها إيَّأه على وجه التَّكرُّم والإِغضاء ‏{‏فلما نبأها به‏}‏ أخبر حفصة بما فعلت ‏{‏قالت من أنبأك هذا‏}‏ من أخبرك بما فعلت‏؟‏ ‏{‏قال نبأني العليم الخبير‏}‏‏.‏

‏{‏إن تتوبا إلى الله‏}‏ يعني‏:‏ عائشة وحفصة ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ عدلت وزاغت عن الحقِّ، وذلك أنَّهما أحبَّتا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته ‏{‏وإن تظاهرا عليه‏}‏ تتعاعونا على أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فإنَّ الله هو مولاه‏}‏ وليُّه وحافظه فلا يضرُّه تظاهُرُكُما عليه وقوله‏:‏ ‏{‏وصالح المؤمنين‏}‏ قيل‏:‏ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو تفسير النبيِّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏والملائكة بعد ذلك ظهير‏}‏ أَيْ‏:‏ الملائكة بعد هؤلاء أعوانٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 6‏]‏

‏{‏عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن‏}‏ هذا إخبارٌ عن قدرة الله تعالى على أن يُبدِّله لو طلَّق أزواجه خيراً منهنَّ، وتخويفٌ لنسائه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قانتات‏}‏ مطيعاتٍ ‏{‏سائحات‏}‏ صائماتٍ‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً‏}‏ أَيْ‏:‏ خذوا أنفسكم وأهليكم بما يُقرِّب من الله تعالى، وجَنِّبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي ‏{‏وقودها الناس والحجارة‏}‏ أَيْ‏:‏ توقد بهذين الجنسين ‏{‏عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‏}‏ يعني‏:‏ خزنة جهنَّم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏توبة نصوحاً‏}‏ هي التَّوبة التي تنصح صاحبها حتى لا يعود إلى ما تاب منه، ونصوحاً معناه بالغةً في النُّصْح‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لا يخزي الله النبيَّ والذين آمنوا معه‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يفضحهم ولا يهلكهم‏.‏ ‏{‏نورهم‏}‏ على الصِّراط ‏{‏يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا‏}‏ إذا طُفئ نور المنافقين دعوا الله وسألوه أن يتمَّ لهم النُّور، ثمَّ ضرب مثلاً للنِّساء الصَّالحات والطَّالحات، فقال‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 12‏]‏

‏{‏ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ‏(‏10‏)‏ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏11‏)‏ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما‏}‏ أَيْ‏:‏ في الدِّين، فكانت امرأةُ نوحٍ تخبر قومه أنَّه مجنونٌ، وامرأة لوط دلَّت على أضيافه ‏{‏فلم يُغْنيا‏}‏ يعني‏:‏ نوحاً ولوطاً ‏{‏عنهما من‏}‏ عذاب ‏{‏الله شيئاً‏}‏ من شيءٍ، وهذا تخويفٌ لعائشة وحفصة، وإخبار أنَّ الأنبياء لا يُغنون عن مَنْ عمل بالمعاصي شيئاً، وقطعٌ لطمع من ركب المعصية رجاء أن ينفعه صلاح غيره‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة‏}‏ قيل‏:‏ إنَّ فرعون لما تبيَّن له إسلامها وَتَدَها على الأرض بأربعة أوتاد على يديها ورجليها، فقالت وهي تعذَّب‏:‏ ‏{‏ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله‏}‏ أَيْ‏:‏ تعذيبه إيَّاي، وفي هذا بيانٌ أنَّها لم تمل إلى معصيته مع شدَّة ما قاست من العذاب، وكذا فليكن صوالح النِّساء، وأمرٌ لعائشة وحفصة أن يكونا كآسيةَ وكمريم بنت عمران‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ومريم ابنة عمران‏}‏ هو عطفٌ على قوله‏:‏ ‏"‏ امرأة فرعون ‏"‏ ‏{‏التي أحصنت فرجها‏}‏ أَيْ‏:‏ عفَّت وحفظت ‏{‏فنفخنا فيه من‏}‏ جيب درعها من ‏{‏روحنا‏}‏‏.‏ فُسِّر في سورة الأنبياء، ‏{‏وصدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه‏}‏ آمنت بما أنزل الله على الأنبياء ‏{‏وكانت من القانتين‏}‏ أَيْ‏:‏ من القوم المُطيعين لله، أَيْ‏:‏ إِنَّها أطاعت فدخلت في جملة المطيعين لله من الرِّجال والنِّساء‏.‏

سورة الملك

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ‏(‏4‏)‏ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏تبارك‏}‏ أَيْ‏:‏ تعالى وتعظَّم ‏{‏الذي بيده الملك‏}‏ يُؤتيه مَنْ يشاء وينزعه عمَّن يشاء‏.‏

‏{‏الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم‏}‏ في الحياة ‏{‏أيكم أحسن عملاً‏}‏ أَيْ‏:‏ أطوع لله وأورع عن محارمه، ثمَّ يُجازيكم بعد الموت‏.‏

‏{‏الذي خلق سبع سموات طباقاً‏}‏ بعضها فوق بعضٍ ‏{‏ما ترى في خلق الرحمن‏}‏ أَيْ‏:‏ خلقه السَّماء ‏{‏من تفاوت‏}‏ اضطرابٍ واختلافٍ، بل هي مستويةٌ مستقيمةٌ ‏{‏فارجع البصر‏}‏ ‏[‏أعد فيها النَّظر‏]‏ ‏{‏هل ترى من فطور‏}‏ صدوعٍ وشقوقٍ‏.‏ ‏{‏ثم ارجع البصر‏}‏ ‏[‏كرِّر النظر‏]‏ ‏{‏كرَّتين‏}‏ مرَّتين‏.‏

‏{‏ينقلب إليك البصر‏}‏ ينصرف ويرجع ‏{‏خاسئاً‏}‏ صاغراً ذليلاً ‏{‏وهو حسير‏}‏ أيْ‏:‏ وقد أعيا من قبل أن يرى في السَّماء خللاً‏.‏

‏{‏ولقد زيَّنا السماء الدنيا‏}‏ التي تدنو منكم ‏{‏بمصابيح‏}‏ بكواكب ‏{‏وجعلناها رجوماً‏}‏ مرامي ‏{‏للشياطين‏}‏ إذا استرقوا السَّمع ‏{‏وأعتدنا لهم‏}‏ في الآخرة ‏{‏عذاب السعير‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ‏(‏7‏)‏ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏إذا ألقوا فيها سمعوا لها‏}‏ لجهنَّم ‏{‏شهيقاً‏}‏ صوتاً كصوت الحمار ‏{‏وهي تفور‏}‏ تغلي‏.‏

‏{‏تكاد تميز من الغيظ‏}‏ تتقطَّع غضباً على الكفَّار ‏{‏كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها‏}‏ سؤال توبيخ‏:‏ ‏{‏ألم يأتكم نذير‏}‏ رسولٌ في الدُّنيا ينذركم عذاب الله‏؟‏ فقالوا‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 13‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏10‏)‏ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏12‏)‏ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏لو كنا نسمع‏}‏ من الرُّسل سمع مَنْ يفهم ويتفكَّر ‏{‏أو نعقل‏}‏ عقل مَن ينظر ‏{‏ما كنا في أصحاب السعير‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏فاعترفوا بذنبهم‏}‏ بتكذيب الرُّسل، ثمَّ اعترفوا بجهلهم ‏{‏فسحقاً لأصحاب السعير‏}‏ أَيْ‏:‏ أسحقهم الله سحقاً، أَيْ‏:‏ باعدهم من رحمته مُباعدةً‏.‏

‏{‏إن الذين يخشون ربهم بالغيب‏}‏ قبل مُعاينة العذاب وأحكام الآخرة‏.‏

‏{‏وأسروا قولكم أو اجهروا به‏}‏ نزلت في المشركين الذين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، فيخبره الله تعالى، فقالوا‏:‏ فيما بينهم‏:‏ أَسرّوا قولكم كيلا يسمع إله محمَّدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 22‏]‏

‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏14‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏(‏15‏)‏ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ‏(‏16‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ‏(‏17‏)‏ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏18‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ‏(‏19‏)‏ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ‏(‏20‏)‏ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ‏(‏21‏)‏ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏ألا يعلم من خلق‏}‏ أَيْ‏:‏ ألا يعلم ما في صدوركم وما تُسرّون به مَنْ خلقكم‏؟‏

‏{‏هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً‏}‏ سهلاً مُسخَّرةً ‏{‏فامشوا في مناكبها‏}‏ جوانبها ‏{‏وإليه النشور‏}‏ إليه يبعث الخلق‏.‏

‏{‏أأمنتم من في السماء‏}‏ قدرته وسلطانه وعرشه ‏{‏أن يخسف بكم الأرض‏}‏ تغور بكم ‏{‏فإذا هي تمور‏}‏ تتحرَّك بكم وترتفع فوقكم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏فستعلمون‏}‏ أَيْ‏:‏ عند مُعاينة العذاب ‏{‏كيف نذير‏}‏ أَيْ‏:‏ إنذاري بالعذاب‏.‏

‏{‏ولقد كذَّب الذين من قبلهم فكيف كان نكير‏}‏ إنكاري إذ أهلكتهم‏.‏

‏{‏أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات‏}‏ باسطاتٍ أجنحتها ‏{‏ويقبضن‏}‏ يضربن بها جنوبهنَّ ‏{‏ما يمسكهنَّ‏}‏ في حال القبض والبسط ‏{‏إلاَّ الرحمن‏}‏ بقدرته‏.‏

‏{‏أم مَنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم مِنْ دون الرحمن‏}‏ يدفع عنكم عذابه‏.‏

‏{‏بل لجُّوا‏}‏ تمادوا ‏{‏في عتوّ‏}‏ عصيانٍ وضلالٍ ‏{‏ونفور‏}‏ تباعدٍ عن الحقِّ‏.‏

‏{‏أفمن يمشي مكباً على وجهه‏}‏ أَيْ‏:‏ الكافر يُحشر يوم القيامة وهو يمشي على وجهه‏.‏ يقال‏:‏ كببْتُ فلاناً على وجهه فأكبَّ هو‏.‏ يقول‏:‏ هذا ‏{‏أهدى أم من يمشي سوياً‏}‏ مستوياً مستقيماً ‏{‏على صراط مستقيم‏}‏ وهو المؤمن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 28‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏23‏)‏ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏26‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ‏(‏27‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏قل هو الذي أنشأكم‏}‏ خلقكم ‏{‏وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تشكرون خالقكم وخالق هذه الأعضاء لكم إذ أشركتم به غيره‏.‏

‏{‏قل هو الذي ذرأكم‏}‏ خلقكم ‏{‏في الأرض وإليه تحشرون‏}‏‏.‏

‏{‏ويقولون متى هذا الوعد‏}‏ أَيْ‏:‏ وعد الحشر‏.‏

‏{‏قل إنما العلم‏}‏ بوقوعه ومجيئه ‏{‏عند الله وإنما أنا نذير‏}‏ مُخوِّفٌ ‏{‏مبين‏}‏ أُبيِّن لكم الشَّريعة‏.‏

‏{‏فلمَّا رأوه‏}‏ أَيْ‏:‏ العذاب في الآخرة ‏{‏زلفة‏}‏ قريباً ‏{‏سيئت وجوه الذين كفروا‏}‏ تبيَّن في وجوههم السُّوء، وعلتها الكآبة ‏{‏وقيل هذا‏}‏ العذاب ‏{‏الذي كنتم به تَدَّعُون‏}‏ تفتعلون من الدُّعاء، أَيْ‏:‏ تدعون الله به إذ تقولون‏:‏ ‏{‏اللَّهم إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏قل أرأيتم إن أهلكني الله‏}‏ فعذَّبني ‏{‏ومَنْ معي أو رحمنا‏}‏ غفر لنا ‏{‏فمن يجير الكافرين من عذاب أليم‏}‏ يعني‏:‏ نحن مع إيمناننا خائفون نخاف عذاب الله ونرجو رحمته، فمن يمنعكم من عذابه وأنتم كافرون‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً‏}‏ غائراً ذاهباً في الأرض ‏{‏فمن يأتيكم بماء معين‏}‏ ظاهر تناله الأيدي والدِّلاء‏.‏